تمويل الذكاء الاصطناعي بالديون يتضخم: مئات المليارات في سندات وقروض خاصة وكيانات خارج الميزانيات. هل نحن أمام أزمة تشبه 2008 أم أن المقارنة مبالغ فيها؟
لم تعد شركات التقنية تبني مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي من أرباحها فقط، بل تقترض بمعدلات غير مسبوقة. تتوقع Morgan Stanley، بحسب Reuters، أن يصل الدين المرتبط بالذكاء الاصطناعي عالمياً إلى نحو 570 مليار دولار في 2026، جُمع منها قرابة 236 ملياراً حتى نهاية مايو، أي نحو أربعة أضعاف وتيرة العام السابق. هذا التحول في تمويل الذكاء الاصطناعي دفع بعض المحللين إلى مقارنة مقلقة: هل نعيد سيناريو أزمة الرهن العقاري في 2008؟
الإجابة المختصرة: هناك تشابه حقيقي في بعض الآليات، لكن هناك أيضاً فروق جوهرية. في هذا المقال نعرض حجج الطرفين بإنصاف.
بدأت القصة بوضوح في خريف 2025، حين أصدرت شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى سندات بقيمة 75 مليار دولار في سبتمبر وأكتوبر فقط، أكثر من ضعف متوسط القطاع السنوي البالغ 32 ملياراً بين 2015 و2024. قادت ميتا الإصدار بـ30 مليار دولار، وأوراكل بـ18 ملياراً. وقدّر تقرير لبنك UBS أن صفقات تمويل مراكز البيانات ومشاريع الذكاء الاصطناعي بلغت 125 مليار دولار في 2025 حتى نوفمبر، مقارنة بـ15 ملياراً في الفترة نفسها من 2024.
وفي 2026 تسارعت الوتيرة:
تكلفة بناء مركز بيانات واحد للذكاء الاصطناعي قد تصل إلى عشرات المليارات.
أكثر ما يثير القلق هو "الكيانات ذات الغرض الخاص" (SPV). في هذا النموذج يقترض كيان مستقل لبناء مركز البيانات، ثم يؤجره لشركة التقنية، فلا يظهر الدين كاملاً في ميزانيتها. مثال ذلك مشروع "هايبريون" لميتا في لويزيانا، المملوك بنسبة 80% لشركة Blue Owl و20% لميتا. ووجد تحليل لصحيفة Nikkei أن ألفابت وأمازون وميتا ومايكروسوفت وأوراكل تحمل نحو 1.65 تريليون دولار من التزامات مراكز البيانات خارج الميزانية.
وحذّرت Goldman Sachs من أن التزامات الإيجار غير المسجلة بعد "قد تقلل من تقدير الرافعة المالية واحتياجات السيولة المستقبلية".
في بعض الصفقات تُرهن معالجات الرسوميات (GPU) ضماناً للقرض. صفقة xAI لحاسوب "Colossus 2" بلغت نحو 20 مليار دولار، منها 12.5 مليار ديون. المشكلة أن هذه الرقائق تفقد قيمتها بسرعة مع ظهور أجيال أحدث، وهنا يدور خلاف حاد: المستثمر مايكل بوري يشكك في جداول الإهلاك التي تعتمدها الشركات، بينما يقول جنسن هوانغ رئيس إنفيديا إن رقائق مثل A100 تبقى صالحة للعمل قرابة عقد.
نشر موقع TechRadar في يوليو 2026 تحليلاً مستنداً إلى الكاتب إد زيترون، يرى أن ديون مراكز البيانات "تشبه بشكل متزايد الرهون العقارية عالية المخاطر التي فجرت أزمة 2008"، وأن صناديق التقاعد وشركات التأمين معرضة مباشرة لها. وفي استطلاع Bank of America لمديري الصناديق في يوليو، اختار 48% إنفاق شركات الحوسبة السحابية على الذكاء الاصطناعي بوصفه المصدر الأرجح لحدث ائتماني منهجي.
حتى أكبر مستثمري السندات حذّروا: كتبت PIMCO في توقعاتها لعام 2026 أن "دورة التعثر تعود لتفرض نفسها"، وأن صفقات تمويل الذكاء الاصطناعي المعقدة هندسياً تحتاج إلى تحليل دقيق.
جزء متزايد من أموال صناديق التقاعد والتأمين صار مرتبطاً بديون الذكاء الاصطناعي.
كما أن سوق الطرح الخاص، بحسب Startup Fortune، استوعب أكثر من قرن من دورات البنية التحتية، والمستثمرون ما زالوا مستعدين للإقراض وإن طالبوا بعوائد وضمانات أعلى.
الخلاصة التي يتفق عليها الطرفان تقريباً أن الضغط لا يقع على الشركات العملاقة نفسها، بل على الأطراف الأضعف: مشاريع ممولة بالكامل بالديون، وشركات أصغر تعتمد على عقد مستأجر واحد، وهياكل يكون سدادها مرهوناً بالكهرباء والبناء في الوقت المحدد وقيمة الرقائق. وكما يشير التحليل نفسه، قد يكفي تأخير بسيط في المشروع لإحداث مشكلة.
والسؤال الأكبر هو: هل تصل إيرادات الذكاء الاصطناعي قبل موعد استحقاق الديون؟ الإجابة ستتضح جزئياً مع الطروحات الكبرى مثل اكتتاب Anthropic المرتقب، ومع قدرة مشاريع الطاقة على مواكبة الطلب كما في صفقات الطاقة النووية لمراكز البيانات.
من المبالغة القول إن أزمة 2008 تتكرر حرفياً، فالمقترضون الكبار أقوى بكثير، والأصول حقيقية. لكن من الخطأ أيضاً تجاهل الإشارات: ديون تتضخم بوتيرة سريعة، وجزء كبير منها خارج الميزانيات، ومخاطر تنتقل بصمت إلى مدخرات المتقاعدين. الأرجح أن أي تصحيح سيكون مؤلماً في أطراف السوق قبل مركزه. وقد ناقشنا وجهاً آخر لهذا القلق في تحذير غارتنر من فقاعة الذكاء الاصطناعي، وتجد الصورة الكاملة في مقالنا المحوري عن الاقتصاد الرقمي في 2026.
ما رأيك أنت؟ هل ترى في ديون مراكز البيانات استثماراً طبيعياً في بنية المستقبل، أم قنبلة مؤجلة تشبه 2008؟ شاركنا رأيك في التعليقات.
نتابع ملف تمويل الذكاء الاصطناعي أسبوعياً. اشترك في النشرة البريدية أسفل المقال لتصلك تحليلاتنا الاقتصادية قبل غيرك.
أهم أخبار ومقالات التقنية بالعربية في رسالة واحدة أسبوعياً. بلا إزعاج، ويمكنك إلغاء الاشتراك متى شئت.
الشركات
المنصّات
© ٢٬٠٢٦ خوارزم التقنية. جميع الحقوق محفوظة.