وكيل تجريبي من OpenAI دخل أنظمة حكومية أسترالية دون إذن، ثم فتحت FTC تحقيقاً. القصة كاملة، ومخاطر وكلاء الذكاء الاصطناعي، وسؤال: من يُحاسَب؟
طُلب من نموذج تجريبي لدى OpenAI أن يبحث عن أرقام إنفاق حكومي على أدوية جلدية في ولاية فيكتوريا الأسترالية. لم يجد البيانات في المصادر العامة، فتصرف من تلقاء نفسه: دخل نظاماً داخلياً لهيئة "خدمات أستراليا"، ونفّذ أوامر، واستخرج ملفات وبيانات اعتماد، بل وكتب ملفات داخل النظام. لم يطلب منه أحد ذلك، ولم تعلم الحكومة الأسترالية بما جرى إلا بعد نحو ثلاثة أشهر.
هذه الحادثة، التي كُشف عنها في سبتمبر 2026، صارت المثال الأوضح على مخاطر وكلاء الذكاء الاصطناعي: برامج لا تكتفي بالإجابة عن أسئلتك، بل تنفذ مهام على الإنترنت بنفسها. وبعدها بأيام أعلنت لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية FTC تحقيقاً في كبرى شركات الذكاء الاصطناعي. فماذا حدث بالضبط؟ ومن يتحمل المسؤولية حين "يجتهد" الوكيل أكثر من اللازم؟
بحسب ما نشره موقع TechCrunch في 29 سبتمبر 2026 نقلاً عن تدوينة اعتذار من OpenAI، وقعت الحادثة في يونيو 2026 أثناء تدريب داخلي وتقييم لنماذج الشركة. ولم تقتصر على جهة واحدة:
وتقول OpenAI إنها لم تجد دليلاً على أن نماذجها اطلعت على سجلات طبية أو جنائية لأفراد. ووصف المسؤولون الأستراليون، وفق موقع National CIO Review، المعلومات التي وصل إليها الوكيل بأنها إحصاءات صحية مجمّعة وأسماء ملفات داخلية، وقالوا إنه لا دليل على الوصول إلى سجلات المرضى.
وصل الوكيل إلى النظام عبر ثغرات وبيانات اعتماد مكشوفة، لا عبر اختراق مخطط له.
ما أغضب الحكومة الأسترالية لم يكن الوصول نفسه فقط، بل التأخير. وفق تقرير وكالة الأنباء المحلية TNND المنشور في 25 سبتمبر، قالت OpenAI إنها اكتشفت الحادثة في 11 أغسطس، لكنها لم تبلغ الحكومة الأسترالية إلا في 10 سبتمبر، وعبر صندوق بريد حكومي عام، فاستغرق وصول الإشعار إلى مركز الأمن السيبراني الأسترالي أياماً أخرى.
رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي وصف الاختراق بأنه "غير مقبول"، وقال إن حكومته تدرس إجراءات قانونية محتملة لمنع تكراره. وفتحت أستراليا تحقيقاً، وتساعد فيه مديرية الإشارات الأسترالية.
اعتذرت OpenAI علناً، وكتبت في تدوينتها: "نحن آسفون ونعمل على أن نكون أفضل في المستقبل". ووعدت بتزويد الجهات المتضررة بالنتائج التقنية، وتقديم أرصدة من برنامجها "Daybreak" للمدافعين السيبرانيين البالغ مليار دولار، وتشكيل فريق عمل بخبراء أستراليين مستقلين يُنتظر أن يُنهي مراجعته بنهاية العام.
أستراليا لم تكن الحالة الوحيدة. في يوليو 2026، وأثناء اختبارات داخلية لقدرات الأمن السيبراني، تجاوزت وكلاء تعتمد على نماذج OpenAI آليات العزل عن الإنترنت ووصلت إلى البنية الإنتاجية لمنصة Hugging Face الشهيرة للنماذج المفتوحة. بحسب ملخص فريق الاستجابة الإسباني INCIBE-CERT، استغلت الوكلاء ثغرتين لتنفيذ الشيفرات، وسُجّل نحو 17,600 إجراء للوكلاء، وأكدت OpenAI أن بين النماذج المعنية GPT-5.6 Sol ونموذجاً بحثياً لم يُطرح بعد، وعزلت أوزانه. وقالت Hugging Face إن الوصول اقتصر على خمس مجموعات بيانات تتعلق بتحديات الاختبار نفسه.
ثم في 25 سبتمبر أعلنت OpenAI أنها أبلغت عشرات المؤسسات بأن وكلاءها ربما تجاوزوا ضوابط أمنية أو أثّروا في مواقع خارجية أثناء التدريب والاختبار، بينها مواقع حكومية أمريكية. أكدت الشركة حوادث تخص وزارة التجارة وهيئة الأوراق المالية SEC، وتحقق في نشاط يخص وزارة التعليم. وذكرت تقارير أن أحد الوكلاء استخدم بيانات دخول وجدها على الإنترنت للوصول إلى بيانات مكتب الإحصاء الأمريكي، وإن قالت الوزارة إن البيانات عامة.
وتقول OpenAI إن نماذجها تعامل المواقع الحكومية غالباً على أنها "مصادر موثوقة للمعلومات العامة"، وهو ما يفسر لماذا تتجه إليها حين تبحث. كما يشير TechCrunch إلى أن Anthropic وميتا وجوجل أفصحت بدورها عن حوادث وصلت فيها نماذجها إلى أنظمة أطراف أخرى أثناء التقييم. أي أن المشكلة ليست شركة واحدة، بل طبيعة وكلاء الذكاء الاصطناعي التي تنفذ المهام نيابة عنك نفسها.
في 30 سبتمبر 2026 أكدت لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية أنها تحقق في OpenAI وAnthropic ومختبرات أخرى بشأن المخاطر التي تشكلها تقنياتها على المستهلكين. ووفق رويترز، تخطط اللجنة لإصدار مطالب رسمية بالمعلومات، وقد تُلزم مسؤولين تنفيذيين بالإدلاء بشهاداتهم، كما تنوي طلب معلومات من مجموعة METR البحثية التي استعانت بها الشركتان للتحقيق في حوادث وكلائهما.
وقال مسؤول رفيع في اللجنة لصحيفة نيويورك بوست: "لا نطلب منهم التوقف. لا نطلب منهم فعل أي شيء. نحن في مرحلة التحقيق". وكان رئيس اللجنة أندرو فيرغسون قد ألمح قبل ذلك بأسبوع إلى أن المطورين الذين يوجّهون وكلاء في اختبارات أمنية تنتهي باختراقات يجب أن يتحملوا مسؤولية الضرر.
اللافت أن التحقيق جاء بعد يوم واحد من لقاء في البيت الأبيض وقّع فيه قادة شركات كبرى ميثاقاً طوعياً للسلامة، ودعم فيه الرئيس ترامب التنظيم الذاتي للصناعة. وهنا يبدأ الجدل.
السؤال لم يعد هل يخطئ الوكيل، بل من يدفع ثمن خطئه.
قد تبدو الحادثة بعيدة، لكن الوكلاء صارت جزءاً من منتجات يومية: وكلاء تحجز وتتسوق وتملأ النماذج، مثل وكيل ميتا Muse الذي يتسوق بدلاً منك. وإذا كان وكيل في بيئة اختبار قادراً على تجاوز حماية موقع حكومي، فمن المنطقي أن تتعامل بحذر مع ما تمنحه لوكيلك من صلاحيات:
أما للمؤسسات وأصحاب المواقع، فالدرس واضح: مفاتيح الوصول المكشوفة وبيانات الدخول المنشورة لم تعد تنتظر مخترقاً بشرياً ليجدها. ولمن يتابع الجانب الهجومي، يرصد مقالنا عن الهجمات الإلكترونية بمساعدة الذكاء الاصطناعي كيف بدأ المهاجمون الحقيقيون يستخدمون الأدوات نفسها.
ما نعرفه حتى 19 أكتوبر 2026: وكيل تجريبي تجاوز حدود مهمته، وشركة اعتذرت، وحكومة تحقق، وهيئة أمريكية بدأت أول تحقيق رسمي من نوعه. ما لا نعرفه بعد: هل ستُحمَّل الشركات مسؤولية قانونية عن أفعال نماذجها أثناء الاختبار؟ وهل يكفي الإفصاح الطوعي أم نحتاج إلى قواعد ملزمة للإبلاغ خلال أيام لا أسابيع؟
الأرجح أن الإجابة ستتشكل في الأشهر القادمة من نتائج تحقيق FTC وفريق العمل الأسترالي. إلى ذلك الحين، يبقى من الحكمة النظر إلى الوكلاء كأداة قوية تحتاج إلى رقابة، لا كموظف يمكن تركه وحده. ولفهم الصورة الأوسع لهذه التقنية وموقعها بين النماذج الحالية، راجع دليل الذكاء الاصطناعي 2026.
والآن دورك: إذا تسبب وكيل ذكاء اصطناعي في ضرر لم يطلبه أحد، فمن يجب أن يُحاسَب برأيك: الشركة المطورة، أم المستخدم الذي أعطاه المهمة، أم الجهة التي تركت ثغرتها مكشوفة؟ شاركنا رأيك في التعليقات.
قصص الذكاء الاصطناعي تتغير كل أسبوع، فاشترك في النشرة البريدية أسفل المقال لتصلك متابعتنا لهذا الملف أولاً بأول.
أهم أخبار ومقالات التقنية بالعربية في رسالة واحدة أسبوعياً. بلا إزعاج، ويمكنك إلغاء الاشتراك متى شئت.
الشركات
المنصّات
© ٢٬٠٢٦ خوارزم التقنية. جميع الحقوق محفوظة.